غيداء الخدر
11-05-2005, 09:51 PM
http://www.geocities.com/zajoool/zaj1.gif
بعد أن انتهت مراسم حفل الزفاف الذي كان متميزاً في كل شيء : متميزاً في
بساطته وبعده عن التكلف والإسراف ، وفي خلوه من منكرات الأفراح ، اختلى
العروسان في غرفتهما الخاصة ، وما هي سوى لحظات حتى مد الشاب يده
ووضعها على رأس عروسه ، ثم دعى بالدعاء المأثور : (اللهم إني أسألك من
خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه) [1] ، ثم
توضأ وصلى بها ركعتين ، وبعدها رفعا أيديهما بالابتهال إلى الله (تعالى) أن يوفقهما
في حياتهما الجديدة ، وأن يحفظ بيتهما الصغير من كل شر ، وأن يجمع بينهما في
خير .
بعدها جلسا يحددان الأسس التي سوف يقوم عليها بناء حياتهما الزوجية ،
والمعالم التي سوف يستضيء بها زورقهما الصغير وهو يسلك طريقه عبر الأمواج
إلى بر الأمان . فكان مما اتفقا عليه :
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
أولاً : سلامة النية : فالنية هي أساس الأمر ولبه ، وهي التي تتفاضل بها
الأعمال ، وبصلاحها يتحول العمل من عادة إلى عبادة ، يأجر الله عباده عليها .
فاتفقا على أن يعقدا قلبيهما على نية صالحة في زواجهما ؛ بأن ينطلقا في حياتهما
الزوجيه من المنطلقات التالية :
الاستجابة لأمر النبي-صلى الله عليه وسلم- لشباب أمته بالمبادرة إلى الزواج
في مثل قوله : (يا معشر الشباب : من استطاع منكم الباءة فليتزوج ؛ فإنه أغض
للبصر وأحصن للفرج .. ) [2] .
احتساب إحصان الفرج وغض البصر وإعفاف النفس ، وبهذه النية يحصل
الزوجان على عهد من الله (تعالى) بالعون والتوفيق ، قال : (ثلاثة حق على الله
(تعالى) عونهم : المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي
يريد العفاف) [3] ، ومن أوفى بعهده من الله ! .
احتساب أجر إقامة البيت المسلم وفق منهج الله (تعالى) .
احتساب إنجاب الذرية الصالحة التي توحد الله ؛ وتكثّر سواد الأمة التي يباهي
بها النبي-صلى الله عليه وسلم- الأمم يوم القيامة ، واحتساب تربيتهم التربية
الإسلامية ؛ لعل الله أن يخرج منهم من يحمل همّ هذا الدين ، ويقوده إلى النصر
والتمكين ، أو لعل الله يوفق بعضهم ليكونوا علماءً أفذاذاً أو مجاهدين أبطالاً .
احتساب أجر النفقة على الزوجة والعيال ، قال : (إذا أنفق الرجل على أهله
نفقة يحتسبها فهي له صدقة) [4] .
فإذا عقد الزوجان قلبيهما على هذه النية : صارت كل لحظة من حياتهما
الزوجية عبادة يؤجران عليها ، فيا لها من أجور عظيمة .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
ثانياً : التعاون على الطاعة : بأن يحض كل منهما الآخر على عمل الخير
ويشجعه عليه ، قال : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت ،
فإن أبت نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقظت
زوجها فصلى ، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) [5] ، فإن لم يكن التشجيع على
الطاعة فلا أقل من عدم الوقوف عقبة في سبيلها ، فكم من زوجة وقفت في طريق
زوجها للعبادة أو طلب العلم أو الجهاد أو الدعوة بكثرة طلباتها وعدم استعدادها
للتضحية بشيء يسير من حقوقها ، والعكس صحيح ، قال الله (تعالى) : يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الخَاسِرُونَ [المنافقون : 9] ، والأسوة الحسنة في ذلك هن أمهات المؤمنين
والصحابيات (رضي الله عنهن) اللاتي كن يقلن لأزواجهن في الصباح حين
يودعنهم على الباب : يا فلان اتق الله فينا ، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على
الحرام !
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
ثالثاً : إقامة البيت المسلم والأسرة المسلمة وفق شرع الله وسنة نبيه-صلى الله
عليه وسلم- ، فلا يقْدِمان على خطوة إلا بعد أن يعلما حكم الله ورسوله فيها ، فإن
علماه لم يُقَدّما عليه شيئاً أبداً : عرفاً ، أو عادة ، أو هوى ، ويستعليان بعقيدتهما ،
ويقفان بصلابة أمام التيار المضاد ، يضربان المثل والقدوة فيما ينبغي أن تكون
عليه الأسرة المسلمة والبيت المسلم بقدر استطاعتهم ، فياله حينذاك - من بيت
مبارك تعبق أنحاؤه بآيات الذكر الحكيم ، ويفوح من جنباته أريج سنة خير المرسلين .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
رابعاً : بناء حياتهما على المحبة والرحمة والمودة والعشرة الحسنة ، امتثالاً
لأمر الله ورسوله ، فالميثاق غليظ عقده الله (عز وجل) ورتب عليه الثواب والعقاب ،
ولا يمكن - في التصور الإسلامي -
أن يكون بين الزوجين حقد أو بغضاء أو
حسد ، كيف وقد أفضى بعضهم إلى بعض ، يقول سيد قطب (رحمه الله) في تفسير
قوله (تعالى) : وَكَيْفَ تَاًخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً
غَلِيظاً [النساء : 21] : (لا يقف لفظ (أفضى) عند حدود الجسد وإفضاءاته ، بل
يشمل المشاعر والعواطف والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم ، يدع اللفظ
يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار ، وعشرات
الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان ، وفي اختلاجة حب إفضاء ،
وفي نظرة ود إفضاء ، وفي كل لمسة جسم إفضاء ، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل
إفضاء ... ) [6] .
والأحاديث الصحيحة تكاد لا تحصى في الحض على حسن العشرة بين
الزوجين ، كما أن السيرة العطرة مليئة بالنماذج العملية من حياة النبي-صلى الله
عليه وسلم- على الحياة الزوجية الهانئة الجميلة في البيت النبوي الكريم .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
خامساً : لا تمنع المحبة والعشرة بالمعروف بين الزوجين من أن يكونا
حازمين مع بعضهما في التربية والتوجيه وخاصة من ناحية الزوج ، فمحارم الله
(عز وجل) لا مداهنة فيها ، والتقصير في الأمور الشرعية لا يمكن السكوت عنه ،
فها هو النبي-صلى الله عليه وسلم- يدلل زوجاته أرق الدلال ، فكان يدلل عائشة
(رضي الله عنها) بقوله : (يا عائش) [7] ، (يا حميراء) ، وكانت تشرب من الإناء
وهي حائض ، فيأخذه النبي-صلى الله عليه وسلم- فيضع فاه على موضع فيها [8] ،
وكان يقبّل نساءه وهو صائم [9] ، ولكنه مع هذا كله لم يقم لغضبه شيء إذا
انتهكت حرمات الله ، قالت عائشة (رضي الله عنها) : (حشوت وسادة النبي-صلى
الله عليه وسلم- فيها تماثيل كأنها نمرقة ، فقام بين البابين وجعل يتغير وجهه ،
فقلت : ما لنا يا رسول الله ؟ قال : ما بال هذه الوسادة ؟ قالت : وسادة جعلتها لك
لتضطجع عليها ، قال : أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ... ) [10]
.. وغير ذلك كثير .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
سادساً : أن يكونا لبعضهما كما كان أبو الدرداء وأم الدرداء (رضي الله عنهما) : كانت إذا غضب سكتت واسترضته ، وإذا غضبت سكت واسترضاها ، وكان هذا منهجاً انتهجاه من يوم زواجهما ، وياله من منهج حكيم ، فكم من البيوت هدمت ، وكم من الأسر انهارت بسبب غضب الزوجين معاً وعدم تحمل أحدهما للآخر .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
سابعاً : الزوجان بشر : ومن طبيعة البشر الخطأ والنقص ، فإن وقع الخطأ
والتقصير من أحد الزوجين في حق الطرف الآخر - إذا كان من الأمور الدنيوية -
فعلى الطرف الآخر الصفح والعفو ، فلا ينسى حسنات دهر أمام زلة يوم ، وعليهما
أن يغضا الطرف عن الهفوات الصغيرة مع التنبيه بأسلوب لطيف ليس فيه جرح
للكرامة أو إهانة ، ولهذا نهى النبي-صلى الله عليه وسلم- أن يطرق الرجل أهله
ليلاً ، وأن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم [11] ، وكان هذا أسلوب النبي-صلى الله
عليه وسلم- ، فعن أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) : أنها أتت بطعام في
صحفة لها إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ، فجاءت عائشة مئتزرة
بكساء ، ومعها فِهْر [12] ، ففلقت به الصحفة ، فجمع النبي-صلى الله عليه وسلم-
بين فلقتي الصحفة وهو يقول : (كلوا ، غارت أمكم) مرتين [13] . فيا له من معلم
حكيم صبر على هذا الخطأ العظيم من عائشة ، وعالجه بالصفح والحلم والتماس
العذر .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
ثامناً : المشكلات والعيوب والنقائص تبقى بين الزوجين فلا يطلع عليها الأهل
والأقارب ، لأن هذه الحياة حياة سرية ولا بد أن تبقى بين الزوجين ، فالغالب على
هذه المشاكل أنها إذا خرجت عن نطاق الزوجين فإنها تتطور وتتعقد ، إلا إن وجد
الزوجان أن الحياة بينهما أضحت مستحيلة ، فإن لهما أن يشركا بعض المقربين من
ذوي الدين والعقل للمساعدة في حل هذه المشكلات .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
تاسعاً : أن يوضح كل منهما للآخر من أول يوم أهدافه في الحياة على المدى
البعيد والقريب والوسائل التي يستخدمها للوصول إلى هذه الأهداف ، فيكون لهما
أهداف مشتركة يتعاونان عليها ، كما يكون لكل منهما أهداف خاصة به ، ولا بأس
من أن يطلع زوجه عليها لكي يساعده عليها ؛ ولا يقف حائلاً بينه وبين تحقيقها .
إذا وضع الزوجان المباركان هذه الأسس نصب أعينهما ، وسجلاها في ورقة
يكون مع كل واحد منهما نسخة منها ، بحيث تكون ميثاقاً بينهما يراجعانه بين الحين
والحين ، واتفقا بألا تكون هذه الأسس والمعالم حبراً على ورق ، بل تتحول إلى
واقع يحاولان تطبيقه قدر المستطاع ، ويذكر أحدهما الآخر بأن المسألة صعبة
تحتاج إلى مجاهدة وصبر وتربية ، وتعاهدا على المحاولة الجادة لتنفيذها .. فهذه
معالم مباركات لكل زوجين وكل شاب وشابة مقبلان على الزواج ، ينشدان السعادة
الزوجية .. والله الموفق .
بعد أن انتهت مراسم حفل الزفاف الذي كان متميزاً في كل شيء : متميزاً في
بساطته وبعده عن التكلف والإسراف ، وفي خلوه من منكرات الأفراح ، اختلى
العروسان في غرفتهما الخاصة ، وما هي سوى لحظات حتى مد الشاب يده
ووضعها على رأس عروسه ، ثم دعى بالدعاء المأثور : (اللهم إني أسألك من
خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه) [1] ، ثم
توضأ وصلى بها ركعتين ، وبعدها رفعا أيديهما بالابتهال إلى الله (تعالى) أن يوفقهما
في حياتهما الجديدة ، وأن يحفظ بيتهما الصغير من كل شر ، وأن يجمع بينهما في
خير .
بعدها جلسا يحددان الأسس التي سوف يقوم عليها بناء حياتهما الزوجية ،
والمعالم التي سوف يستضيء بها زورقهما الصغير وهو يسلك طريقه عبر الأمواج
إلى بر الأمان . فكان مما اتفقا عليه :
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
أولاً : سلامة النية : فالنية هي أساس الأمر ولبه ، وهي التي تتفاضل بها
الأعمال ، وبصلاحها يتحول العمل من عادة إلى عبادة ، يأجر الله عباده عليها .
فاتفقا على أن يعقدا قلبيهما على نية صالحة في زواجهما ؛ بأن ينطلقا في حياتهما
الزوجيه من المنطلقات التالية :
الاستجابة لأمر النبي-صلى الله عليه وسلم- لشباب أمته بالمبادرة إلى الزواج
في مثل قوله : (يا معشر الشباب : من استطاع منكم الباءة فليتزوج ؛ فإنه أغض
للبصر وأحصن للفرج .. ) [2] .
احتساب إحصان الفرج وغض البصر وإعفاف النفس ، وبهذه النية يحصل
الزوجان على عهد من الله (تعالى) بالعون والتوفيق ، قال : (ثلاثة حق على الله
(تعالى) عونهم : المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي
يريد العفاف) [3] ، ومن أوفى بعهده من الله ! .
احتساب أجر إقامة البيت المسلم وفق منهج الله (تعالى) .
احتساب إنجاب الذرية الصالحة التي توحد الله ؛ وتكثّر سواد الأمة التي يباهي
بها النبي-صلى الله عليه وسلم- الأمم يوم القيامة ، واحتساب تربيتهم التربية
الإسلامية ؛ لعل الله أن يخرج منهم من يحمل همّ هذا الدين ، ويقوده إلى النصر
والتمكين ، أو لعل الله يوفق بعضهم ليكونوا علماءً أفذاذاً أو مجاهدين أبطالاً .
احتساب أجر النفقة على الزوجة والعيال ، قال : (إذا أنفق الرجل على أهله
نفقة يحتسبها فهي له صدقة) [4] .
فإذا عقد الزوجان قلبيهما على هذه النية : صارت كل لحظة من حياتهما
الزوجية عبادة يؤجران عليها ، فيا لها من أجور عظيمة .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
ثانياً : التعاون على الطاعة : بأن يحض كل منهما الآخر على عمل الخير
ويشجعه عليه ، قال : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت ،
فإن أبت نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقظت
زوجها فصلى ، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) [5] ، فإن لم يكن التشجيع على
الطاعة فلا أقل من عدم الوقوف عقبة في سبيلها ، فكم من زوجة وقفت في طريق
زوجها للعبادة أو طلب العلم أو الجهاد أو الدعوة بكثرة طلباتها وعدم استعدادها
للتضحية بشيء يسير من حقوقها ، والعكس صحيح ، قال الله (تعالى) : يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الخَاسِرُونَ [المنافقون : 9] ، والأسوة الحسنة في ذلك هن أمهات المؤمنين
والصحابيات (رضي الله عنهن) اللاتي كن يقلن لأزواجهن في الصباح حين
يودعنهم على الباب : يا فلان اتق الله فينا ، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على
الحرام !
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
ثالثاً : إقامة البيت المسلم والأسرة المسلمة وفق شرع الله وسنة نبيه-صلى الله
عليه وسلم- ، فلا يقْدِمان على خطوة إلا بعد أن يعلما حكم الله ورسوله فيها ، فإن
علماه لم يُقَدّما عليه شيئاً أبداً : عرفاً ، أو عادة ، أو هوى ، ويستعليان بعقيدتهما ،
ويقفان بصلابة أمام التيار المضاد ، يضربان المثل والقدوة فيما ينبغي أن تكون
عليه الأسرة المسلمة والبيت المسلم بقدر استطاعتهم ، فياله حينذاك - من بيت
مبارك تعبق أنحاؤه بآيات الذكر الحكيم ، ويفوح من جنباته أريج سنة خير المرسلين .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
رابعاً : بناء حياتهما على المحبة والرحمة والمودة والعشرة الحسنة ، امتثالاً
لأمر الله ورسوله ، فالميثاق غليظ عقده الله (عز وجل) ورتب عليه الثواب والعقاب ،
ولا يمكن - في التصور الإسلامي -
أن يكون بين الزوجين حقد أو بغضاء أو
حسد ، كيف وقد أفضى بعضهم إلى بعض ، يقول سيد قطب (رحمه الله) في تفسير
قوله (تعالى) : وَكَيْفَ تَاًخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً
غَلِيظاً [النساء : 21] : (لا يقف لفظ (أفضى) عند حدود الجسد وإفضاءاته ، بل
يشمل المشاعر والعواطف والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم ، يدع اللفظ
يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار ، وعشرات
الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان ، وفي اختلاجة حب إفضاء ،
وفي نظرة ود إفضاء ، وفي كل لمسة جسم إفضاء ، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل
إفضاء ... ) [6] .
والأحاديث الصحيحة تكاد لا تحصى في الحض على حسن العشرة بين
الزوجين ، كما أن السيرة العطرة مليئة بالنماذج العملية من حياة النبي-صلى الله
عليه وسلم- على الحياة الزوجية الهانئة الجميلة في البيت النبوي الكريم .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
خامساً : لا تمنع المحبة والعشرة بالمعروف بين الزوجين من أن يكونا
حازمين مع بعضهما في التربية والتوجيه وخاصة من ناحية الزوج ، فمحارم الله
(عز وجل) لا مداهنة فيها ، والتقصير في الأمور الشرعية لا يمكن السكوت عنه ،
فها هو النبي-صلى الله عليه وسلم- يدلل زوجاته أرق الدلال ، فكان يدلل عائشة
(رضي الله عنها) بقوله : (يا عائش) [7] ، (يا حميراء) ، وكانت تشرب من الإناء
وهي حائض ، فيأخذه النبي-صلى الله عليه وسلم- فيضع فاه على موضع فيها [8] ،
وكان يقبّل نساءه وهو صائم [9] ، ولكنه مع هذا كله لم يقم لغضبه شيء إذا
انتهكت حرمات الله ، قالت عائشة (رضي الله عنها) : (حشوت وسادة النبي-صلى
الله عليه وسلم- فيها تماثيل كأنها نمرقة ، فقام بين البابين وجعل يتغير وجهه ،
فقلت : ما لنا يا رسول الله ؟ قال : ما بال هذه الوسادة ؟ قالت : وسادة جعلتها لك
لتضطجع عليها ، قال : أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ... ) [10]
.. وغير ذلك كثير .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
سادساً : أن يكونا لبعضهما كما كان أبو الدرداء وأم الدرداء (رضي الله عنهما) : كانت إذا غضب سكتت واسترضته ، وإذا غضبت سكت واسترضاها ، وكان هذا منهجاً انتهجاه من يوم زواجهما ، وياله من منهج حكيم ، فكم من البيوت هدمت ، وكم من الأسر انهارت بسبب غضب الزوجين معاً وعدم تحمل أحدهما للآخر .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
سابعاً : الزوجان بشر : ومن طبيعة البشر الخطأ والنقص ، فإن وقع الخطأ
والتقصير من أحد الزوجين في حق الطرف الآخر - إذا كان من الأمور الدنيوية -
فعلى الطرف الآخر الصفح والعفو ، فلا ينسى حسنات دهر أمام زلة يوم ، وعليهما
أن يغضا الطرف عن الهفوات الصغيرة مع التنبيه بأسلوب لطيف ليس فيه جرح
للكرامة أو إهانة ، ولهذا نهى النبي-صلى الله عليه وسلم- أن يطرق الرجل أهله
ليلاً ، وأن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم [11] ، وكان هذا أسلوب النبي-صلى الله
عليه وسلم- ، فعن أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) : أنها أتت بطعام في
صحفة لها إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ، فجاءت عائشة مئتزرة
بكساء ، ومعها فِهْر [12] ، ففلقت به الصحفة ، فجمع النبي-صلى الله عليه وسلم-
بين فلقتي الصحفة وهو يقول : (كلوا ، غارت أمكم) مرتين [13] . فيا له من معلم
حكيم صبر على هذا الخطأ العظيم من عائشة ، وعالجه بالصفح والحلم والتماس
العذر .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
ثامناً : المشكلات والعيوب والنقائص تبقى بين الزوجين فلا يطلع عليها الأهل
والأقارب ، لأن هذه الحياة حياة سرية ولا بد أن تبقى بين الزوجين ، فالغالب على
هذه المشاكل أنها إذا خرجت عن نطاق الزوجين فإنها تتطور وتتعقد ، إلا إن وجد
الزوجان أن الحياة بينهما أضحت مستحيلة ، فإن لهما أن يشركا بعض المقربين من
ذوي الدين والعقل للمساعدة في حل هذه المشكلات .
http://home.att.net/~scorh2/Bird1s2.gif
تاسعاً : أن يوضح كل منهما للآخر من أول يوم أهدافه في الحياة على المدى
البعيد والقريب والوسائل التي يستخدمها للوصول إلى هذه الأهداف ، فيكون لهما
أهداف مشتركة يتعاونان عليها ، كما يكون لكل منهما أهداف خاصة به ، ولا بأس
من أن يطلع زوجه عليها لكي يساعده عليها ؛ ولا يقف حائلاً بينه وبين تحقيقها .
إذا وضع الزوجان المباركان هذه الأسس نصب أعينهما ، وسجلاها في ورقة
يكون مع كل واحد منهما نسخة منها ، بحيث تكون ميثاقاً بينهما يراجعانه بين الحين
والحين ، واتفقا بألا تكون هذه الأسس والمعالم حبراً على ورق ، بل تتحول إلى
واقع يحاولان تطبيقه قدر المستطاع ، ويذكر أحدهما الآخر بأن المسألة صعبة
تحتاج إلى مجاهدة وصبر وتربية ، وتعاهدا على المحاولة الجادة لتنفيذها .. فهذه
معالم مباركات لكل زوجين وكل شاب وشابة مقبلان على الزواج ، ينشدان السعادة
الزوجية .. والله الموفق .